ملخص رواية أرض النفاق ليوسف السباعي.......
جاءتْ
نكبة فلسطين سنة 1948 لتفجر ما في قلب الكاتب من كلماتٍ ساخرةٍ حزينةٍ. يرصد فيها
وينتقد مظاهرَ الواقع الاجتماعيِّ والسياسيِّ الفاسد لأرضه " أرض
النفاق" فى فكرةٍ خياليةٍ ولكنها تخصُّ واقعًا حقيقيًا.
فَهَبْ أنَّ الأخلاق حبوبٌ تُباع وتُشترى،
وتذكرْ قانونَ العرض والطلب، وتذكرْ أيضًا أنَّ البقاء للأقوى. فلا شك أنَّك عرفت
الآنَ الحالةَ العامةَ للسوق. فأمَّا السلعةُ الأكثرُ رواجًا فهى النفاقُ بلا شكٌ،
وللحكومةِ طبعًا نصيبُ الأسدِ منها، ومع ذلك، فإنَّ التوازن الطبيعي والتعايش
السلميِّ يفترضان أنْ ينالَ الشعبُ جُزءًا من نفاقٍ. هذا الشعب تُلقَى له حبوبُ
النفاق فى النهر لتصلَه جميعًا بالتساوي. هكذا تسير الأمور. وأما عن
الأخلاق الحميدة فحدِّثْ ولا حَرَجَ. فقدْ ركدتْ تجارتُها، وأفْلسَ تجارُها، وأغلقوا
حوانيتهم. اللَّهم إلا تاجرًا واحداً بقيَ لديه مِنْ حبوب الأخلاق ما يكفى لأنْ يُطهر
شعبًا كاملًا من آفاته. ولكنْ أنَّى لك بعلاج مريضٍ يرى بل ينافح أنَّه سليمٌ؟.
وَصلَ
القدَرٌ بصاحبنا إلى تَاجرِ الأخلاق. فجرَّب حبوبَ الشجاعة والمروءة، فكشفا له عن
جبنِه وخِسَّته، قبل أن يَكْشفا له عن جُبْنِ وخِسَّةَ مَنْ حَوْلِه، وبِضِدَّهَا
تتبينُ الأشياءُ.
قَادتَه شَجَاعَتُه ومروءتُه للحبسِ تارةً،
وللاتهام بالجنون تارةً. فَقدَ وظيفتَه واُتهم بخيانة الوطن. كادَ يخسرً حَياتَه
الزَّوْجية، وبالٌ لا آخر له يقعُ في نفسه ويراه فيمنْ حوله. وكأنَّ قناع النفاق
والخسة في - أرض النفاق - نعمةً أسبغها الله عليه، "وَمَن
يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن
بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"!.
يجدُ
مجتمعًا مريضًا ضعيفًا، به موظفين عالةً على البلاد، ومعطِّلِين لمصالحِ العبادِ.
يتملقون لرؤسائهم من أجل الترقية. وبه أقلامٌ تحركها البطون لا كلمة الحقُ. وهناك برلمان
ونوابٌ هَدفُهم المكانةُ، وأحزابٌ هدفٌها السلطةٌ لذاتها لا للإصلاحِ. وهنالك حكومةٌ
لا تفعلُ ولا تسكتُ، "فلو أنَّها فعلتْ لعِلَمَ الشعبُ أفعالَها الآثمة، ولوْ
لمْ تفعلْ وسَكتتْ، لتعلَّم الشعبُ كيفَ يَفْعَلُ". وهذه الجامعةُ العربيةُ
التي تجتمعُ في مقرِّ " الخيانة العامة" لا تفعل شيئًا إلا أنْ تَجْتَمِعَ
لتتفرقَ، ومِنْ ثَمَّ تجتمعُ لتتفرقَ مِنْ جديدٍ. يَهْديه عقلُه أو قُلْ يَخُونُه
عقلُه أو البقيةُ الباقيةُ لديه مِنْ أخلاقٍ فيسرقُ وِعَاءَ الأخلاقِ المُرَكَّز
من التاجرِ، ويُلقى به فى النهرِ فيُتهم بأبشعِ جريمةٍ عَرَفَهَا التاريخُ. ألا
وهي "جريمةُ نشرِ وباءِ الأخلاقِ".
عُومِلَ وحُوكِمَ كعُلماء الطبيعةِ المُتهَمينَ
بالهَرْطَقة في العصور الوسطى. ولكنَّ الحقَّ غالبٌ على الباطل مهما علا وطغى.
فإذا بالناس يشربون من ماء النهر. وإذا بالأخلاق، بعد فترةٍ قصيرةٍ في عمرِ الحقِ،
طويلةً في عمر ذلك المُصْلِحِ، تسري في خلايا الناسِ، وتمتزجُ بدمائهم، فتنصلحُ أحوالُهم
وتستقيمُ أمورُهم. وهكذا كان الحقُّ دائمًا وأصْحَابُه في كل العصور.
No comments:
Post a Comment