ملخص كتاب الصراع الفكري في البلاد المستعمرة - مالك بن نبي
في
هذا الكتاب يكشف مالك بن نبي طبيعة الصراع الفكري فى البلاد المستعمَرة. حيث
ركَّزَ على مبادئ الصراع متجاهلًا وسائله وأشكاله. ذلك لأنَّ المبادئ ثابتةً في
الغالب، أما الوسائل والأدوات فتتغير باختلاف زمان ومكان الاستعمار. وبهذا يسير على منهج تنظيرٍ لمبادئ الصراع، مقتبسًا من تجربته الشخصية
فى الجزائر ما يؤكد أرائه، بدون إغراقٍ في الجانب الشخصى، لأنَّ العمل ليس سيرةً ذاتيةً
أو تجربةً شخصيةً بحتة. مما يجعله صالحًا للتطبيق في أي بلدٍ مستعمَر.
فما أنْ تبرز فكرةٌ إصلاحيةٌ على الساحة
حتى تُقابل بالرفض. تجدُ الفكرةُ شعبًا مستعمَرًا متخلِّفًا يجهلها، وقيادةً
تتجاهلها، ومستعمِرًا يخنقها، ويحاول أنْ يطمسها ويغرقها فى غياهب الظلمات. قدْ
يفعل ذلك بتسليط الضوء على غيرها، أوباستفزاز صاحب الفكرة واستدراجه إلى معركةٍ
وهمية مع أشباحٍ يصنعهم الاستعمار بأسلوب شبيهٍ بألعاب الظل. فتتحولُ الساحة
الفكرية إلى حلبةِ مصارعة للثيران. يُلَوِّحُ فيها المصارِعُ (الاستعمار) للثَّوْر(المفكر)
بمنديل أحمر، فينسى الثور عداوته الأصلية للمصارع، ويصبُّ جَامَّ غضبِه على المِنْديل
حتى تخور قواه، ويقع فريسةً للماتدور.
وبذلك ينفصل المفكر عن فكرته عمليًا، كما قد
ينفصل عنها معنويا أيضًا. يحدث هذا عندما يرى عدم تجاوب الحركات السياسية مع
فكرته. هذه الحركات - التي غُرِّرَتْ، ومن ثم غَررتْ بشعبها بترانيم الألفاظ
السياسية الغرورة التي ألقاها الاستعمار في آذانها عبر السنين - لا تتجاوب مع
المفكرين المصلحين، بل وتحاربهم أحيانًا. وقد ينفصل المفكر عن فكرته لأنَّ
الاستعمار استخدم عَفَنِ هذه الأحزاب السياسية، أو حداثة عهدها بالسياسة، وضعفها
الفكرى كسطحٍ عاكسٍ لمرآة الكَّفِّ والحرمان. فيُلقي الاستعمار على فكرة المفكر - أو
ربما شخصه أحيانًا - ظلالًا ومعانيَ غير التى أرادها المفكر بفكرته، فتتحول الفكرة
إلى فكرةٍ بديلة فينفصل المفكر عنه بوعيٍ منه أو بدون وعيٍ.
وقد يلجأ الاستعمار إلى تجسيد الفكرة
المجرَّدَة، وتحويلها إلى فكرة مجسدة. وبذلك يَحُدُّ من نموها، ويَحْصُرُها في شخص
صاحب الفكرة. ومن مبادئه لفعل ذلك ألا يلجأ إلى العنف مع المؤمنين بالفكرة إلا إذا
اُضًّطَرَ له. لأنَّ المستعمِر يعلم أنَّ موْتَ صاحبِ الفكرة ظلمًا يعنى حياةً
لفكرته، وإخراج للفكرة من سجن التجسيد إلى حرية التجريد مرةً أخرى. فإذا تمكن
الاستعمار من جعل الفكرة مُجَسَّدة، فإنه يسعى إلى استئصال شأفتها كليًا إنْ تَمكن من ذلك. يفعل
ذلك بتشويه الصورة الشخصية أو الاجتماعيه للمفكر الذي جُسِّدت الفكرة في شخصه. وهذا
يؤدى حتمًا إلى تشويه فكرته التي أصبح يمثلها. فتموت الفكرة. ويكفر بها من آمنوا
بها، مما يُشْعِرُ المفكرُ الإصلاحىُّ بأنه دخل المعركة وحيدًا.
ومن المبادئ أيضًا إحلالُ الفكرة الجزئية
محل الفكرة الكلية عند اشتداد الأمر. كما فعل الاستعمار الأوروبي بتشجيعه للفكرة
الإفريقية لتكون بديلًا عن الفكرة الأسيوفريقية. وكذلك اتباع سياسة الانزلاق من
فكرةٍ لأخرى والاستبدلال، وبتر الفكرة للحيلولة بين تنظيرها وتطبيقها، وتعطيل
الفكرة، واستخدام لافتات الحرية والديموقراطية، وغيرها من الكلمات الناعمة
الفِضْفَاضة لتخدير الشعوب وتحويلها عن العمل العملي إلى الشعارات. فإذا ما استقل
الشعب عن الاستعمارِ،عَابَ الاستعمارُ هذه المصطلحات ليوقعَ البلَد المستقل حديثًا
في الحَيْرة والندم على أيام الاستعمار التي لا تُعَوَّضُ. وبذلك يتحول الاستقلال
إلى استقلال صورى فى حين أنَّ اليدَ الخفية للاستعمار لا تزال تتدخل في كل شيء.
No comments:
Post a Comment